الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

178

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قصر ادّعاء بمعنى الكمال ، أي ولا يسمع كلّ دعاء ويعلم كلّ احتياج إلّا اللّه تعالى ، أي لا عيسى ولا غيره ممّا عبد من دون اللّه . فالواو في قوله وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ واو الحال . وفي موقع هذه الجملة تحقيق لإبطال عبادتهم عيسى ومريم من ثلاثة طرق : طريق القصر وطريق ضمير الفصل وطريق جملة الحال باعتبار ما تفيده من مفهوم مخالفه . [ 77 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 77 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) الخطاب لعموم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى ، وتقدّم تفسير نظيره في آخر سورة النّساء . والغلوّ مصدر غلا في الأمر : إذا جاوز حدّه المعروف . فالغلوّ الزّيادة في عمل على المتعارف منه بحسب العقل أو العادة أو الشرع . وقوله : غَيْرَ الْحَقِّ منصور على النّيابة عن مفعول مطلق لفعل تَغْلُوا أي غلوّا غير الحقّ ، وغير الحقّ هو الباطل . وعدل عن أن يقال باطلا إلى غَيْرَ الْحَقِّ لما في وصف غير الحقّ من تشنيع الموصوف . والمراد أنّه مخالف للحقّ المعروف فهو مذموم ؛ لأنّ الحقّ محمود فغيره مذموم . وأريد أنّه مخالف للصّواب احترازا عن الغلوّ الّذي لا ضير فيه ، مثل المبالغة في الثّناء على العمل الصّالح من غير تجاوز لما يقتضيه الشرع . وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ في سورة النّساء [ 171 ] . فمن غلوّ اليهود تجاوزهم الحدّ في التّمسك بشرع التّوراة بعد رسالة عيسى ومحمد - عليهما الصّلاة والسّلام - . ومن غلوّ النّصارى دعوى إلهيّة عيسى وتكذيبهم محمدا صلى اللّه عليه وسلّم . ومن الغلوّ الّذي ليس باطلا ما هو مثل الزّيادة في الوضوء على ثلاث غسلات فإنّه مكروه . وقوله : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ عطف على النّهي عن الغلوّ ، وهو عطف عامّ من وجه على خاصّ من وجه ؛ ففيه فائدة عطف العامّ على الخاصّ وعطف الخاصّ على العامّ ، وهذا نهي لأهل الكتاب الحاضرين عن متابعة تعاليم الغلاة من أحبارهم ورهبانهم الّذين أساءوا فهم الشريعة عن هوى منهم مخالف للدّليل . فلذلك سمّي تغاليهم أهواء ، لأنّها كذلك في نفس الأمر وإن كان المخاطبون لا يعرفون أنّها أهواء فضلّوا ودعوا إلى ضلالتهم فأضلّوا كثيرا مثل ( قيافا ) حبر اليهود الّذي كفّر عيسى - عليه